ياسين سليماني: غوايات القراءة…

ياسين سليمانيجريدة الحياة الجزائرية – كان جمال الغيطاني يتحسّر في مرة من المرات على عشرات الآلاف من الجنيهات التي صرفها من أجل كتب، صارت متاحة ببضع نقرات على الحاسوب، بل وأكثر منها وأزيد. وكنتُ أتحيّنُ الصيفَ، عند انتهاء موسم الدراسة، فآخذي كتبي المدرسية إلى السوق لأستبدلها بكتب ثقافية، في الرواية أو المسرح أو غيرهما. بهذه الطريقة حصلتُ على كتبي الأولى. عن طريق المبادلة، وهكذا قرأتُ الحلزون العنيد، كما قرأتُ الهارب لوطّار، و”البشير” و”التراب” لأبي العيد دودو. كانت مدينة عين البيضاء، قاحلة من هذه النوعية من الكتب. ونادرا ما كنتُ أجد كتبا تشبع الأنيميا المعرفية الحادة التي كنت أعاني منها. كان جوعي للقراءة شديدا، تذكرني بما قال ابن الجوزي قديما: ” وإني أخبر عن حالي:ما أشبع من مطالعة الكتب وإذا رأيت كتاباً لم أره فكأني وقعت على كنز” وكانت مكتبة المركز الثقافي، ومكتبة المتوسّطة وقتها تعير الكتب بشق الأنفس، وحتى ولو أعرتَ، فلا أفضل من امتلاك الكتاب، تقرؤه متى أردت، وتسجل على هوامشه كما تريد. ومن السوق، وبالمصادفة وحدها، اشتريت في جمعتين متتاليتين، كتبا لسارتر. الفوضى والعبقرية الذي ترجمه هاشم الحسيني بأربعين دينارا (مدهش أليس كذلك؟؟) ثم “الدوامة” بمائة دينار. وفي أول عام لي في قسنطينة، أيام الجامعة، اجتمعت لديّ ثلاثمائة كتاب. كانت من مصروفي الأسبوعي الذي ما كنتُ آخذه من الوالد إلاّ بطلوع الروح، وبعد وقوف الوالدة أمامه كالجارية لأكثر من ساعة. وداومت على هذا الصنيع إلى الآن. حيث أكتب هذه الكلمات، وأربعة دواوين لدرويش تنظر إليّ تنتظر موعدها معي اقتنيتها قبل يومين. وبين أول كتاب اقتنيته وكنت لم أتم الثانية عشر، وكان لجرجي زيدان وهو فتح الأندلس، بطبعة بيضاء صغيرة بـ78 دج، وبين آخر أربعة كتب اقتنيتها، مسافة آلاف من الكتب، اقتناء، وإعارة، وإهداء.

عندما اقتنيت “طابلات” لأول مرة، كان عدد الكتب الذي وضعته في ذاكرتها كثيرا كثيرا. واكتشفت أنّ رغبة القراءة عندي ازدادت استعارا، ففي الكتاب الورقي، يتدحرج المهم إلى الخلف مقابل الأهم. فلا قدرة لي أن أقتني كل ما تهوى نفسي، إلى حدود سنوات قريبة. أمّا في الالكتروني، فالكتب والمجلات والصحف الثقافية التي لا تصل إلى بلدي المتصحّر متوفرة تنتظر لمسة أنامل ناقرة بخفوت حتى تظهر لك.

وبسبب ظروف الكتابة المستمرة، خاصة في الدراسات والبحوث. كنت أشعر برضا متعاظم، كلما وجدتُ نفسي على قدرة في إنجاز عمل دون الحاجة إلى الذهاب إلى مكتبة عامة أو مركز ثقافي أو مكتبة الجامعة. حتى جامعة وهران التي أنتمي إليها، بقدر ما أستفيد خلال سنوات ولا أزال من مكتبتها، إلاّ أنّ ما عندي في مكتبتي أكثر وأفضل.والعديد من البحوث التي نشرتها في السنوات الأخيرة، كانت كلها بمصادر ومراجع ورقية ببيتي، أو إلكترونية في حاسوبي.

يبدو هذا الكلام مغرقا في الذاتية. إذ ليس جميع الناس يفعلون هذا. وقد كتبتُ من قبل أنني نادرا ما رأيت فتاة أو امرأة تقرأ، فنقد الناقدون وتهجم المتهجمون، على الرغم من أن الأمر صحيح تمام الصحة. إنّ الوفرة الواسعة التي أصبحت عليها المعرفة، والبساطة الكبيرة في الحصول عليها، قد أزهدت الكثيرين فيها. لكن متى كان الزاهد في المعرفة يُعوّل عليه في إنتاج فكر أو أدب؟
إنّ الصحيح الذي أراه، أنّ اتساع رقعة المعرفة وأساليب التوصل إليها، يجعلها ديمقراطية بامتياز. فحتى وإن لم يكن لديك الدولارات الكثيرة لاقتناء الكتب أو المعاجم أو الموسوعات، يكفي أن يكون لديك حاسوب، ويكفي أن تنقر عليها بضع نقرات.

أليس من المذهل حقا أن تجتمع لديك كنوز في مساحة صغيرة في آلة صغيرة، تكون قادرا على استغلالها في أي لحظة؟
إنّ الزاهد في هذا ليس إلاّ مجنونا أو “مجنونا” أما العاقلون فلا أراهم إلاّ مستفيدين من هذا. ألم يقل فولتير العظيم : “‏سُئلت عمن سيقود الجنس البشري ؟ فأجبت : الذين يعرفون كيف يقرؤون”. أي نعم..الذين يقرؤون..ويعرفون كيف يقرؤون.

المصدر: ياسين سليماني: غوايات القراءة… – جريدة الحياة الجزائرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.