محمد قسط: الكتاب ذلك الكائن اللطيف

محمد قسطجريدة الحياة الجزائرية – تقول ’الويكبيديا’ أن المقروئية : «هي مدى سهولة قراءة وفهم نص ما».وأضيف أيضا سهولة الحصول على النص. منذ ظهورالكتاب،والانسان في سباق لإقتناء هذا الكائن اللطيف،لدرجة التعلّق به والتعامل معه بشكل عضوي،يجعله جزءا من الجسد،وله مكان في علاقاته الإجتماعية،كل ذلك صبّ في إتجاه تثمين الكتاب،والحرص على الحصول عليه بأي ثمن،وإن كان ذلك يخضع لثقافة الحضارة التي تتعامل معه، وطبيعة التفكير والتطور الاقتصادية والسياسي.

الكتاب كمفهوم وبناء، تغيّر مع مرور الزمن، من نقشه على الحجر،مرورا بورق البردي،ووصولا الى النسخ الإلكتروني، الذي سمح بنشر الكُتب على نطاق واسع وباعداد مهولة. مازلت أتذكر أعداد الطلبة الذين كانوا يبيتون امام أعتاب قصر المعارض ’سافيكس’بالعاصمة،ليظفروا بكتاب،يشفي غليلهم،ونهمهم للمعرفة،في زمن الندرة،في زمن كانت المقروئية فيه نوعية،والقارئ نوعي،وهنا أشير الى أن تقيم المقروئية وقياسها، لا يجب أن يخضع لمنطق العدد والكمّ فقط،بل يجب ان نُدخل علاقة المتلقّي أو القارئ العاطفية مع النص،ومع الكتاب،أيّ أننا نخطئ،حينما لا نلتفت الى هذه الزاوية المهمّة من العلاقة،يجب أن نشرّح المفاهيم المتعلّقة بذلك،حتى يتبيّن لنا عمق الأزمة التي نمرّ بها.إن ندرة ’النُسخ الورقية’ ترتّب عنها،إنتشار ظاهرة عدم مراعاة حقوق الكاتب وإنتهاك قوانين النشر،فأصبح الكثيرون لا يجدون بدّا في ظل القلّة،من تجاوز المحاذير،لكن ذلك ساهم في الحفاظ على حدّ أدنى من القراءة.بل ساهم في الحفاظ على القراءة والكتاب.

الكتاب الورقي ظلّ طيلة قرون يحتفظ بنكهته في أوراقه،وملمسه يحرّض القارئ على التخيّل،وتصوّر مؤلّفه وأحداثه،ذلك الرابط الذي يحرمنا منه الكتاب الإلكتروني ،عديم الرائحة،بارد الشكل.ربّما في خظمّ التطور التكنولوجي نسينا،تلك اللذة التي كنّا نحققها من تصفّح الروايات والدواوين الشعرية،والتي تنبع من كمّ المشاعر والاحاسيس التي ترافق الحروف المكتوبة بالحبر،والاوراق المصنوعة من النباتات،وكأنه كائن ولد من كائن،اليست الكتب ثمارا لشجرة المعرفة؟.أليست القصص والكراريس نباتات؟.

تقول ’الويكبيديا’الكتاب الإلكتروني : »هو نشر إلكتروني فيه نصوص وصور، ينتج وينشر ويقرأ على الحواسب أو أجهزة إلكترونية أخرى،و هو مقابلٌ إلكتروني لكتاب مطبوع«،أي حتمية قادمة قد تنسف مفهومنا القديم للكتاب،والطباعة الورقية،وفعل الكتابة بالحبر،عملية ستغيّر كل التراكمات التي خزّناها عاطفيّا وفلسفيا حول النسّخ الورقي.ان الإنتشار السريع لهذه التكنولوجيا التي حوّلت الورقي الى الرقمي،يضعنا أمام تحدّي جديد،نجهل عواقبه،غير أنه رغم ذلك ساهمت الثورة الرقمية للنشر في تعزيز دور القراءة،وبثّها من منطقة أخرى،غير رفوف المكتبات،بحكم المكانة التي أصبح الحاسوب،يحضى بها في حياتنا اليومية.لا أعتقد أن وفرة الكتاب حاليا ،مؤامرة على القراءة،لأن الواقع أثبت أنه يمكن التكيف مع التغيّرات التي أحدثها النشر الالكتروتي،فهناك جانب جيّد،يتمثل في السهولة،والسرعة للوصول الى النصّ،طبعًا لن يحل ذلك أزمة المقروئية الحالية،ولكن قد نشهد بعض الحلول مستقبلا في تبنّي هذه التكنولوجيا.

أعتقد أن الانتقال من الكتاب الورقي الى الإلكتروني هو إنتقال نفسي ووجودي، أكثر منه إنتقال تقني،وسيبقى المحكّ في فعل القراءة في حدّ ذاته،فمشكلتنا المزمنة في هذا الحدث الكوني والانساني:تصفّح الكُّتب.

المصدر: محمد قسط: الكتاب ذلك الكائن اللطيف – جريدة الحياة الجزائرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.