محمد بوزرواطة : الحنين إلى رائحة الورق

محمد بوزرواطةجريدة الحياة الجزائرية – كُلما يُطرحُ موضوع القراءة للنقاش؛ وتُثَارُ حوله الكثير من التساؤلات والهواجس المُتعلقة –أساساً- بالمصير الذي سيؤول إليه الكتاب الورقي، أمام اكتساح رهيب للكتاب الإليكتروني، إلاَّ وينتابُني شعورٌ بالأسى والحزن،مُستعيداً صورة سينمائية، ظلت راسخةً في ذاكرتي للمخرج التونسي رضا الباهي في فيلمه الرائع صندوق عجب(2002)، حيثُ يفتحُ أعيننا على مشهد مؤثر يَنعي فيه التلفزيون بشكله القديم ومُبرزاً-لَنا- فضاءً واسعاً تناثرت فيه العشرات من صُحون الباربول اللاقطة، في إشارة واضحة إلى انتهاء مرحلة بكل أشواقها وحميمياتها وبداية مرحلة أخرى مفتوحة على عَالم جديد لاَ يَني يتطور بشكل سريع ووتيرة مُذهلة .تُعيدنا-الصورة إيَّاها- إلى وضعية الكتاب الورقي، الذي كان فيما مَضى،سيد الأمكنة، يَملأُ الفراغات بمباهج القراءة ومَسرَات الكُتب التي كان يتداولُها الأصدقاء، يَدًا ليَد؛ احتفاءً بوليمة كُبرى ملؤها الانتشاءُ بأعراس الفكر والأدب والكلمات.

تُرى، ما الذي حدث لنا-نحن- الجيل الذي تربَّى على رائحة الورق ونشأ مع أغلفة الكتب القديمة وسهر الليالي لقراءتها بشغف وتَقاسَمَ اللذَّة والمتعة مع مؤلفيها أمامَ مصابيحَ باهتة الإضاءة في تلك الأزقة والدروب والبنايات الهشَّة التي كُنا نقطنها ذات زمن ؟ أيُّ رَجَّة زلزلت ّ ذَوقَنَا، وأَحاَلتنَا إلى مجرد عجماوات خرساء،أمام هذا المَد الجارف للكتاب الاليكتروني الذي يملأ الفضاء، ولم يسمح لنا-باختلاس لحظة للتمتُع بسحر وقراءة كتاب أو رواية؟أَهُو العجزُ بعينه أم أَنَّ جيل الحساسية الجديدة، فَرضَ مَنطقَهُ بقوة، فانزَجَّ مُواكباً هذه الطفرة المرئية التي ملأت العين والبصيرة؟فلا هُو استطاع حَذوَ الجيل السابق بقراءة الكتاب الورقي المُتاح، ولاَ هُو استطاع –أيضا- قراءة آلاف الكتب التي تَعجُ بها مواقع خاصة بعالم الكتاب، وأضحت قريبةً إليه من حبل الوريد.

لقد ظلَلنا في حالة انشدَاه تام، تلُفُنا الحيرة إزاءَ ما يحدث أمامنا من مُتغيرات مَست-في العمق- ذاكَ الدفء وتلك الأريحيَّة التي افتقدناها.في صُحبة الكتاب الورقي الذي رَافَقنا لسنوات في تلك الفترة الزاهية،من أعمارنا الهاربة على الدوام،حَالُناَ يُشبه إلى حد كبير ،الوضع الحرج لبطلة فيلم الوداع لينين(2003) للمخرج الألماني فولفغانغ بيكر،فالأمُ المُشبعة بالأفكار الاشتراكية ومنظومة القيم الشيوعية حَدَّ التماهي ،لَم تَستطع استيعابَ ما يحدُث حولها من تَغيُرات طارئة، فرضتها حركية التاريخ ومساراته المُعقدة،لقد ظلت في حالة غيبوبة مُستمرة، غيرَ آبهَة بالتحولات التي تحدث أمام عينيها، وكان مَآلُها الموت ؟فهل انقضاء حقبة من عالم الكتاب المقروء، وإفساح المجال لحقبة أخرى وبصيغ أكثر حداثة من شانه، تَهديدَ كَياناتنا وَعاداتنا القديمة، بخطَر الزوال،، مَالَم نَتواكَب مع التغيُرات الحاصلة ونتأقلم مع مُستجداتها، في عَالم مَوًّار بالأسئلة والقضايا والإشكالات الحادَّة.

في عالمنا العربي تبدو مسألة القراءة بشكليَّهَا، القديم والحديث، في أقصى درجاتها كارثيةً، لغياب استراتيجية واضحة تُدعمُ الكتاب وَتفتحُ له مَسارب وشبكات للتوزيع عَبر البلد الواحد، ناهيك عن وصُوله للأقطار العربية الأخرى؟،حتي يُمكنُناَ بعد ذلك التحدُثُ عن تقييم مُعدلات القراءة بشكل دقيق،غيرَ أن موجة الكتاب الإليكتروني باتت تَستهوي الكثير من القُراء، فَعَدَا انجذابُهم نحو الكتب النادرة التي لم يَعُد العثورُ عليها مُمكناً وَرقياً ؛أمسَى اهتمامُ الغالبية العظمى من الطلبة –على نحو خاص- مُنصَباً حول مراجع وكتب، تدخلُ في صُلب تخصُصاتهم، سواءً كانت علميةً أو أدبية.

وعلى العموم يظلُ فعل القراءة،عملاً حضارياً بامتياز،ألم يَقُل الكاتب الكبير بورخيس،مُنوهاً بعظمة القراءة،قائلاً: فليعتز أصدقائي بما كتبت، ولأنتشي أنا بما قرأت. هذه مساهمتي المتواضعة إليك صديقي الروائي الخير شوار دامت لك مسرات القراءة والشغف بالكتاب…فقط…أريد أن أعرف توقيت نشر الموضوع…وسأكون لك شاكرا

المصدر: محمد بوزرواطة : الحنين إلى رائحة الورق – جريدة الحياة الجزائرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.