سعيد موفقي: إنّنا بحاجة إلى استعادة حقيقيّة لقيمة الكتاب

سعيد موفقيجريدة الحياة الجزائرية – صحيح أنّ القراءة عندنا، في العالم العربي قد تراجعت بشكل ملفت، وأنّه لم يعد هناك اهتمام بالكتاب بالصورة التي تركها الأوائل، قد تكون ” التكنولوجيا ” أحد هذه الأسباب في اعتقاد البعض، لكنّنا لو راجعنا أنفسنا بصدق وبحثنا عن الأسباب الحقيقية لوجدنا أنّ المشكلة تتعلق بدرجة الوعي لدينا بقيمة الكتاب، ورقيا كان أو اليكترونيا، فكثير منّا لا يحسن هذه “التكنولوجيا” ولا يملك القيمة العلمية ولا الأخلاقية لهذه الفاعلية الإنسانية وبالتالي سيعاديها، ولأنّ الغاية الحقيقية غائبة عن الأذهان فإنّ هذا الغياب سيدخل في نفوسنا الملل الذي ينفّرنا من القراءة وبالتالي يتحوّل الأمر إلى اتّكالية والتفكير في نهب جهد الغير وهو ما حدث وما يحدث عندنا،إنّ وفرة الكتاب وندرته مسألة طبيعية تخضع لمنطق العلم والتكنولوجيا والوسيلة المتعلقة به، ولا دخل للذّات والهوى بها، فالمشكلة الحقيقية تكمن في سوء فهم القراءة وحدوث اختلال في الجهاز المفاهيمي لعملية التلقي لدى كثير منّا، وسبب تراجع القراءة ليس بسببها أيّ “التكنولوجيا”، فهذا فهم خاطئ، بالعكس لقد أصبح الكتاب في المتناول بعدما كان مقتصرا على فئات تكاد تكون محدودة وبفضل الكتاب الاليكتروني تحطّمت أصنام النّشر وأساليب الاحتكار، وتحقّق معها سرعة التبليغ والتواصل، لكنّه يحتاج إلى حمايته فقط، والعمليّة تحتاج إلى وضع صيغة أخلاقية وحضارية تُفرض بقوّة القانون حتى يطمئن أصحابها، يعني أنّ التصحيح من المفروض أن يكون على مستوى الأشخاص لا الآلة، ولو أخذنا برأي البعض ممن أساؤوا فهم الكتاب الاليكتروني وبالتالي التكنولوجيا لأصبحنا نناقض أنفسنا بأنفسنا، بين ما نمارسه وما ندعو إليه، لأنّ هذه “التكنولوجيا” التي أنجبت الكتاب الاليكتروني مصدرها العلم الذي ولد مع الإنسان وكان ولا يزال يسعى للرقيّ به إلى مستويات أعلى، بعيدا عن منطق التجارة الذي أصبح طاغيا على كثير من الأذهان التي تنظر إلى الكتاب في صورة بضاعة لا قيمة وهو ما يعاني منه كثير من المثقفين أيضا، حقيقة أو مجازا، إنّ غياب حضارية الكتاب ودلالاته الإنسانية لا يمكن استرجاعها إلاّ بتصحيح مفهوم القراءة وعلاقتها بالكتاب ورقيا كان أو اليكترونيا وأثرها في القارئ، وتكون حمايتها أخلاقيا تُفرض بقوّة القانون لاسترجاع هيبة الكتاب العلمية والعمليّة والفكرية والثقافية … وكذا حمايته من ظاهرة السّطو والاغتصاب، ومن هنا تبدأ عملية تصحيح مفهوم علاقة القارئ بالكتاب، فلابد من صحوة فاعلة لايقاض الضمائر وتنبيهها وتوعية الفرد والمجتمع بأهميّة الكتاب والقراءة معا، ولا يقوم بهذا الدّور إلاّ الأشخاص الذّين أدركوا بوعي ونضج معنى الكتاب والمؤسسة والدور الذي تلعبه المدرسة والجامعة … والإعلام …، إنّنا بحاجة إلى استعادة حقيقيّة لقيمة الكتاب واسترجاع جادّ للثّقة به والدّعوة إلى اقتنائه.

المصدر: سعيد موفقي: إنّنا بحاجة إلى استعادة حقيقيّة لقيمة الكتاب – جريدة الحياة الجزائرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.