جيلالي عمراني: الكتاب بين التحميل والنسيان

جيلالي عمرانيجريدة الحياة الجزائرية – سؤال ديوان الحياة عن ندرة الكتاب وتعطش القارئ بالأمس القريب في ظل غياب المكتبات الكبيرة والمعارض ثم الحصار الذي عاشته الجزائر وكلنا نتذكر تلك الظروف الصعبة التي عاشتها الحياة الثقافية منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، ووفرته اليوم سواء في المكتبات التقليدية أو في المكتبات الالكترونية الكثيرة، وما توفره التكنولوجيا الحديثة من سهولة انتشار هذا النوع” الكتاب الالكتروني” لكن هل بالفعل هذه الوفرة وتقنية التحميل السهلة والمجانية تساعد القاري على تصفح الكتاب وقراءته بارتياح؟

سؤالكم أحالني فعلا إلى ما عشته شخصيا، بالفعل نسيت كتبا قد حملتها من قبل، ونادرا ما أكمل قراءتها، ثم نسيانها بالكامل في ملف خاص قلما أفتحه ربما لأن الكتاب الالكتروني تنقصه رائحة الحبر الأسود وأنفاس كاتبه، تنقصه تلك العلاقة الحسية المباشرة بين حركة اليدين وهي تقلب الصفحات الورقية، عكس الكتب الورقية التي نقرأها أكثر من مرة، لأنها قريبة من العين والقلب، أحالتني هذه المقارنة إلى رواية” الرجال الذين يحادثونني” للكاتبة اناندا ديفي وهي تحتفي بالكتاب والكتّاب احتفاء مميزا إذ تقول في ص 84:” في مقدورهم فهم القشعريرة الحسية حين نتجه صوب كتاب معروف ومحبوب وحين ننتزعه من الرف ونداعب الغلاف..” هذه القشعريرة الحسية الرائعة المشتركة بين كل القراء وهم يمسكون بكتاب ما بين أيديهم، خاصة تلك الروائع التي غيرت مجرى التاريخ أو تلك الكتب الاستثنائية التي شكلت وعي القارئ في العالم وجعلته يتحول ويتجدد.

هي القشعريرة التي ترافقك كلما اقتنيت كتابا مهما وجديدا ورائحة الحبر لا تزال تعبق من طياته وصفحاته المغرية جدا، هي الرغبة التي تدفع قارئا ما لمسح مكتبات المدينة/المدن بحثا عن عنوان مثير مستفز، في الشعر أو القصة أو الرواية أو الدراسات العلمية والثقافية والفلسفية، الكتاب الورقي وحده يستطيع إخراجك من عزلتك وبؤسك وشقائك المزمن إلى أفق أرحب، مليء بالجمال والقيم والأفكار وبيئات وأسئلة تحرك الثابت والساكن فيك، هو الكتاب الذي تقرؤه في غرفتك، في سريرك، في القطار الذي يقلك، في كل مكان تقصده، في قمة جبل حيث لا كهرباء ولا شبكة الأنترنات، هو هذا الصديق الوفي القريب من القلب والعينين في كل وقت.

منذ اخترعت الكتابة والكتاب الورقي بقي إلى يومنا هذا هو الملاذ الحقيقي للقارئ القلق الحائر. صحيح اليوم التقنية سهٌلت عملية انتشار الكتب والمعرفة، لكن يبقى الاستفادة من هذه الوسائط محدودة جدا، فتحميل الكتب الكثيرة بغير هدف حقيقي ثم تخزينها في ملف خاص داخل حاسوبك يشبه دخولك متاهة أو غابة كثيفة سرعان ما تغادر وتؤجل مواصلة الرحلة، بالفعل هذه الوفرة لم تصل بعد إلى مستوى المؤامرة لكنها تشكل إلى حد ما عائقا يساهم بشكل ما في تدني مستوى القراءة. ثم هناك جانب أخلاقي في المسألة باعتبار التحميل هو نوع من الاستيلاء على ملكية الغير بالمجان وهذا غير مقبول، وهي ظاهرة يشجبها الكثير من الكتاب والناشرين فالحكومات سنٌت قوانين لحماية الملكية الفكرية لأن تحميل الكتب تضرب في الصميم عملية صناعة ونشر الكتاب في العالم هي سرقة موصوفة، ولو أن بعض الكتاب يشجعون ذلك بتوفير روابط التحميل قصد الانتشار والاستفادة.

آخر القول: الكتاب الذي يهدى عادة لا يقرأ سواء كان ورقيا أو الكترونيا إلا في حالات نادرة وخاصة جدا تتعلق بالبحث والدراسة. فننصح أنفسنا أولا بدفع ثمن الكتاب حينها أنت مجبر على قراءته.

المصدر: جيلالي عمراني: الكتاب بين التحميل والنسيان – جريدة الحياة الجزائرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.