المقبرة الرقمية

جريدة الحياة الجزائرية – عندما رأى معجم “لسان العرب” لابن منظور لأول مرة في حياته قبل سنين طويلة، تلمّسه وتصفحه جيدا، ليتأكد إن كان في حلم أو في حقيقة. كان ذلك في مكتبة جامعية، ولم يخطر له ساعتها أن يحصل على نسخة منه، ليس لغلاء ثمنه وإنما لأنه لم يكن متوفر أصلا في السوق، واكتفى بتقليب صفحات أحد مجلداته المتعددة وهو يتأمل تلك الطريقة المنهجية العجيبة في تأليفه، قبل أن يعيده إلى الرف.

تذكّر ذلك المشهد عندما وجد صديقه بعد ذلك يشرح له “مزايا الرقمية” ويقّدم له “موسوعة أونكارطا” التي كانت تنشرها شركة ميكروسوفت وكانت تصدر في أقراص تحتوي على آلاف المقالات والصور والمعلومات، ويقدّم له مجموعة أخرى فيها أهم وأشهر القواميس العربية من لسان العرب إلى كتاب العين للفراهيدي وليس انتهاء عند القاموس المحيط للفيروز أبادي.

كان الأمر بمثابة صدمة، وهو يرى ذلك القرص “النحيل” يحمل مكتبة كاملة من المجلدات الفاخرة ويباع بسعر زهيد للغاية، ودفعه الأمر إلى شراء كمبيوتر وأخذ وقتا ليتعلم أبجديات العمل به، قبل أن يكتشف عالم الانترنيت الذي جعله يستغني شيئا فشيئا عن الأقراص المضغوطة التي اشترى منها كميات كبيرة، بعضها أعاد استعماله مرات عديدة وبعضه تركه للغبار والنسيان ولم يعد تذكره إطلاقا بعد ذلك.

وبـ”سلاسة” ودّع زمن الأقراص المدمجة التي رأى أنها تتلف بسرعة ولا يمكن أن يطمئن لها المرء، واستقبل عصر التحميل المباشر من الانترنيت، وأصبحت له هواية جديدة وهو المهوس منذ طفولته بعالم الكتب. بدأ يبحث عن مواقعها بشتى الوسائل ويسعد كثيرا عندما يرى هذا الموقع أو ذاك يحمل عشرات الكتب التراثية أو الفكرية أو الروائية العالمية. وهو الذي بحث سنين طويلة عن رواية “الحرب والسلم” للروسي تولتسوي وجدها كاملة إلى جانب روايات أخرى للمؤلف نفسه وأهم روايات الأدب الروسي من غوغول إلى غوركي وباسترناك وسولجنيستين مرورا بدوستوفسكي وتشيخوف وغيرهم.

ولم يتعب كثيرا في أخذ تلك الكنوز التي وجدها في موقع واحد وحمّلها في ظرف قياسي وفتح لها ملفا في القرص الصلب للكمبيوتر ليعود إليها لاحقا ويقرأ كتابا كتابا.

وهو الذي حلم بقراءة كتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد ولم يتمكن من الحصول على نسخة منه وقد قرأ عنه عشرات المقالات في مختلف الجرائد منذ سنين وجده أخيرا إلى جانب الأعمال الكاملة للمؤلف مترجمة إلى اللغة العربية وفي موقع واحد ولا يحتاج تحميلها إلا لدقائق معدودات، وشعر بفرحة كبيرة وهو يقوم بنقلها إلى القرص الصلب الذي رأى أن سعته بدأت تتقلص وخاف من أن يحدث له أي عطب مفاجئ ويخسر ذلك الأرشيف الكبير الذي يعود إلى سنوات فاشترى قرصا خارجيا بسعة واحد تيرا بايت (ألف جيغا بايت) وشعر بسعادة كبيرة وهو يرى ذلك “المكان” يتسع إلى ملايين الكتب التي ينوي تحميلها بعد ذلك وهي متوفرة بالمجان على الشبكة العنكبوتية، واستهوته لعبة التحميل وغرق فيها وأصبح يجد متعة كبيرة في إعادة فتح تلك الملفات والتأكد من أنها تضم النفائس التي تتجاوز عشرات الآلاف من الكتب التي لم يدفع من أجلها شيئا في وقت تقدّر قيمتها بالملايين وربما الملايير لو اشتراها في شكل ورقي.

وكلما غرق في “عالم التحميل” نسي الأرشيف الكبير الذي يمتلكه ولم يعد يذكر إن كان ذلك الكتاب الذي في باله قد حمّله مرة أو مرات متعددة فلم تعد له أية رغبة في القراءة واكتفى بتلك الهواية الجديدة.

المصدر: المقبرة الرقمية – جريدة الحياة الجزائرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.