فيصل الأحمر : افتراضات واقعية حول واقع الكتاب الافتراضي

فيصل الأحمرجريدة الحياة الجزائرية – شخصيا لا اعتقد أن في الأمر مؤامرة ضد القراءة، بل هو سوء تسيير أمر الكتاب الإلكتروني الذي هو تجلٍّ فاضح إضافي لما نعرفه من سوء تسيير الأمور كلها على تشعب مجالات الحياة…

الأمم الأخرى تتعاطى الديمقراطية الالكترونية في اطر محددة، من منطلق الشعور بضرورة احترام الكتاب في بعديه الثقافي والتجاري من خلال ضرورة دفع ثمن للحصول على خلاصة فكرية ما؛ هي ما نسميه: الكتاب…

وتعد مسألة حقوق المؤلف مسألة حساسة جدا لدى الأمم المتحضرة التي لها باع مع الكتاب مثلما لها باع مع عالم القيمة كله.
تشكل إشكالية خلق القيمة التحدي الكبير لأمة تسعى للخروج من عنق الزجاجة … فالملاحظ عندنا صديقي العزيز هو أننا نجتهد دائما كي نجد حلولا سريعة، وكي نعمل في إطار من التسرع والحرج والمناورة في المساحات الضيقة… وهذا الشرط في العمل يؤدي دائما إلى الإخلال بالصرامة العلمية وبالقيمة المنوطة بالأشياء…

تصور قيمة الكتاب حينما كنا قديما نلجأ إلى تصويره واستعارته لليلة أو ليلتين ثم إرجاعه إلى صاحبه… ثم تصور الحالة النفسية لباحث/قارئ اليوم وهو يدخل حاسوب صديقه أو أستاذه فينقل مائتي كتاب فيغضون ثوان معدودات…كتب أرتنا التجربة في الجامعة وفي المنتديات الثقافية بأن صاحبها لا يطلع حتى على عناوينها كاملة، ولا يعلم بالتحديد ما الذي يختزنه حاسوبه أو مفتاح تخزينه أو أية ذاكرة الكترونية لكثرة ما يكون قد حشا به ذلك الوسيط من الكتب التي تجرها سيول الأيام ومجاري الصدف ؟؟؟

قارئ اليوم يعاني مشكلا مزدوجا: الأولى هي القانون الاقتصادي القديم الذي يقول إن الندرة هي التي تخلق الغلاء؛ وهو قانون وجهه الآخر هو أن الوفرة تذهب بالغلاء وتعوضه بالزهد…

اما المشكل الثاني فهو مشكل عماء الأضواء الكثيرة؛ فهذه الكتب التي تحمل بسرعة وكثرة مفرطة يغطي بعضها بعضا، وينتهي عاشق الكتب غلى رؤية كل الكتب بعين واحدة؛ عين الازدراء التي تبحث عما يخرج عن الصف، فإذا لم يخرج أي كتاب من الصف بسبب القيمة تصبح القيمة منوطة بالصحافة أو بأي منبر إعلامي يقوم بالدعاية لأي كتاب يكون محل موضة ما…

إننا نقرع اجراس الخطر مع وعينا بأن جزءا كبيرا من هذه الإشكالية لا يخرج عن أن يكون مندرجا ضمن النظام العادي للأشياء، فالعالم متغير بسرعة، والثقافة العليا والفردية والنخبوية أصبحت ضيفا ثقيلا على عالمنا اليوم الذي يهدف غلى وضع الناس جميعا في سلة واحدة هي سلة “العولمة” و”الثقافة النمطية”…الخ الخ

قد يتساءل قارئ هذا الكلام: ولكن كيف يفعل الآخرون كي يفلتوا من هذا الخراب المنظم؟

الإجابة هي القوانين القوية المفصلة ونظام المراقبة الصارم ثم نظام الردع والمعاقبة الذي يقوي شوكة القانون، مع خطاب توعوي وعمل تحسيسي جواري هام فيما يتعلق بخطر تعاطي الكتاب والقراءة والبعد النبيل لهذا الصنف من “السلع” التي يجب ألا نفرغها تماما من بعدها النبيل لفائدة تداول حر سلعي تجاريأو شبيه بالتجاري… الكتاب في الغرب لا يمكن تحميله بهذه البساطة لن القوانين الداخلية لكل دولة او إقليم تقف رادعا أمام ذلك… وفي هذا الشأن درس هام علينا أن نستوعبه.

المصدر: فيصل الأحمر : افتراضات واقعية حول واقع الكتاب الافتراضي – جريدة الحياة الجزائرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.